محاضرات

حول يوم القيامة

ما يراه المحتضَر عند سكرات الموت

في هذا البحث سوف أتحدث عما يراه الإنسان عند سكرات الموت ولكن ضمن المساحة التي حددها علم الغيب الإلهي وأطلع عليها خلقه، ولا يجوز الرجم بالغيب في أية مسألة غيبية.
قال تعالى(وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ)
تقع سكرة الموت بين الحياة والموت فهي حالة تفصل بين المرحلتين، ويمكن التعبير عنها بأنها مقدمة للمرحلة التالية، ولذا فإننا نجد نظامها قريباً من أنظمة الآخرة أكثر من قربه لأنظمة الدنيا، ويمكن اعتماد كونها مرحلة مستقلة لا تتصل بما قبلها ولا بما بعدها، وهي قطعاً ليست من الدنيا لأن ما يراه المحتضَر أثناء الإحتضار لا علاقة له بنظامنا الدنيوي.
وهذه المرحلة هي من الغيب حيث لا يستطيع أي محتضَر أن يخبر من حوله بما يرى ويسمع، ولكن يمكن استيحاء غرابة ما يشاهده المحتضر من خلال نظراته الغريبة وتصرفاته في تلك الأثناء التي لا تشبه تصرفاته قبل ذلك، ولكنه لو لم يرد نص من المعصومين(ع) بما يرى المحتضر وما يسمع وكيف يشعر لما استطعنا أن نعرف شيئاً من ذلك، وهذا ما وصفه الإمام علي(ع) بأدق وصف وأبلغ كلام وقد ذكرت هذه الكلمات أكثر من مرة فيما مضى ولا بأس بتكرارها هنا لأنه أهم شاهد على هذا البحث، فقد قال(ع) في وصف المحتضر:
وَجَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ، وَقَدِمُوا مِنَ الْآخِرَةِ عَلَى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ. فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ مَا نَزَلَ بِهمْ: اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ وَحَسْرَةُ الْفَوْتِ، فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ، وَتَغَيَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ. ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ فِيهِمْ وُلُوجاً، فَحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ وَبَيْنَ مَنْطِقِهِ، وَإِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ، وَيَسْمَعُ بِأُذُنِهِ، عَلَى صِحَّةًٍ مِنْ عَقْلِهِ، وَبَقَاءٍ مِنْ لُبِّهِ، يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمْرَهُ، وَفِيمَ أَذْهَبَ دَهْرَهُ! وَيَتَذَكَّرُ أَمْوَالاً جَمَعَهَا، أَغْمَضَ فِي مَطَالِبِهَا، وَأَخَذَهَا مِنْ مُصَرَّحَاتِهَا وَمُشْتَبِهَاتِهَا، قَدْ لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا، وَأَشْرَفَ عَلَى فِرَاقِهَا، تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ يَنْعَمُونَ فِيهَا، وَيَتَمَتَّعُونَ بِهَا، فَيَكُونُ الْمَهْنَأُ لِغَيْرِهِ، وَالْعِبءُ عَلَى ظَهْرِهِ. وَالْمَرْءُ قَدْ غَلِقَتْ رُهُونُهُ بِهَا، فَهُوَ يَعَضُّ يَدَهُ نَدَامَةً عَلَى مَا أَصْحَرَ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَزْهَدُ فِيَما كَانَ يَرْغَبُ فِيهِ أَيَّامَ عُمُرِهِ، وَيَتَمَنَّى أَنَّ الَّذِي كَانَ يَغْبِطُهُ بِهَا وَيَحْسُدُهُ عَلَيْهَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ! فَلَمْ يَزَلِ الْمَوْتُ يُبَالِغُ فِي جَسَدِهِ حَتَّى خَالَطَ لِسَانُهُ سَمْعَهُ، فَصَارَ بَيْنَ أَهْلِهِ لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ، وَلاَ يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ: يُرَدِّدُ طَرْفَهُ بِالنَّظَرِ في وجُوهِهِمْ، يَرَى حَرَكَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ، وَلاَ يَسْمَعُ رَجْعَ كَلاَمِهِمْ. ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ الْتِيَاطاً بِهِ، فَقُبِضَ بَصَرُهُ كَمَا قُبِضَ سَمْعُهُ، وَخَرَجَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ، فَصَارَ جِيفَةً بَيْنَ أَهْلِهِ:
يرى الإنسان عند سكرات الموت أشياءاً لا يراها غيره، ولأجل ذلك نلاحظ بأن المحتضر يلتفت يميناً وشمالاً ويراقب من هنا ومن هناك، ويحدق النظر فيما يرى، فمرة ينظر إلى تلك الأشياء الغريبة، ومرة أخرى ينظر إلى أهله وأولاده ومن حضر احتضاره ليتحسس منهم أنهم يرون ما يرى أو أنهم لا يرون ذلك، فهو يرى تلك الأشياء ولكنه في بعض الأحيان لا يستطيع أن يعبّر عما يشاهد في تلك اللحظات الصعبة التي يكون مشغولاً فيها بنفسه وبارتحاله عن هذه الدار، وربما كان بعضهم يطرح أسئلة غريبة فيقول: من هذا ومن ذاك، وما هذا وذاك؟ وأقرب جواب لسؤال هذا المحتضر هو أنه يرى الملائكة في مكانه، إما فوق رأسه أو في زوايا الغرفة أو في مكان آخر، وربما يرى منزلته في الجنة أو منزلته من النار، على اعتبار أن الملائكة التي تأتي لقبض روحه تأتي ومعها البشارة له إما بالنعيم وإما بالعذاب، فقد قال أمير المؤمنين(ع):إحذروا يا عباد الله الموت وسكرته فأعدوا له عدته فإنه يفاجؤكم بأمر عظيم بخير لا يكون معه شر أبداً أو بشر لا يكون معه خير أبداً … إنه ليس أحد من الناس تفارق روحه جسده حتى يعلم إلى أي المنزلتين يصير إلى الجنة أم النار…الخ
وفي خصوص ما يراه المؤمن قال الإمام الصادق(ع):ما يخرج مؤمن عن الدنيا إلا برضى منه وذلك أن الله تبارك وتعالى يكشف له الغطاء حتى ينظر إلى مكانه من الجنة وما أعد الله له فيها:
وربما يرى المحتضر صوراً جميلة هي غير صور الملائكة فقد يرى أمامه رسول الله(ص) وعلياً والأئمة(ع) فقد ورد عن الصادق(ع) أنه يمثّل له رسول الله(ص) وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم(ع)
وعن حارث الأعور قال أتيت أمير المؤمنين(ع) ذات يوم نصف النهار فقال ما جاء بك؟ قلت حبك والله، فقال(ع) :إن كنت صادقاً لَتراني في ثلاث مواطن، حيث تبلغ نفسك هذه(وأشار بيده إلى حنجرته) وعند الصراط وعند الحوض:
وقال الصادق(ع) : ما من مؤمن يحضره الموت إلا رأى محمداً وعلياً حيث تقر عينه، ولا مشرك يموت إلا رآهما حيث يسوؤه:
وقال علي(ع) : من أحبني وجدي عند مماته بحيث يحب، ومن أبغضني وجدني عند مماته بحيث يكره:

رُؤْيَةُ إِبْلِيسَ عِنْدَ الإِحْتِضَار

من جملة الأشياء التي يشاهدها المحتضر حين النزع والسوق إبليس اللعين الذي يبقى ملازماً للإنسان حتى آخر رمق له في الحياة، بمعنى أنه لا يترك الإنسان وشأنه حتى في حالة الإحتضار علّه ينجح في غوايته وإبعاده عن الله تعالى في تلك اللحظات التي يكون فيها الإنسان أحوج إلى اللطف الإلهي، فهو يطارده ويلاحقه من مكان إلى آخر حتى أنه يلاحقه أثناء النوم لينجح في عملية الفصل بينه وبين الله عز وجل لأنه العدو اللدود للبشر منذ أن أمره الله بالسجود لآدم وامتنع عن تنفيذ الأمر الإلهي حسداً وتكبراً وافتخاراً بأصل خلقته عندما قال لربه خلقتني من نار وخلقته من طين وهو يرى أن النار أهم من الطين وأنه هو الذي يستحق أن يُسجد له وليس آدم، فهذا العدو يجب الحذر منه منذ يوم التكليف بل قبل ذلك حيث يجب علينا أن نحذر أولادنا الصغار من سطوات الشيطان كيلا يعتادوا عليها في صغرهم فيصبح من الصعب عليهم أن يتخلصوا منها عند سن التكليف.
وأمام هذا العدو الخطير ووسوساته المستمرة وحفره العميقة وأساليبه الجذابة وخدعه المحكمة ليس لنا خلاص منها إلا باللجوؤ إلى الله تعالى والنظر والتأمل في الآيات الخاصة بالحديث عن هذا العدو، وها نحن سوف نذكر لكم الآيان بعضها من باب التحصين وتكرار تلاوتها بهدف إبعاد الشيطان عنا وخصوصاً في مرحلة الإحتضار التي يستحب عندها قراءة القرآن الكريم وذكر الله عز وجل لأن الشيطان يهرب من المواضع التي يذكر فيها رب العالمين أو عباده الصالحون، وقبل ذكر الآيات حول الشيطان الرجيم نذكر لكم نصاً عن الإمام الصادق(ع) يعلمنا فيه إحدى طرق التحصين من همزات الشياطين فيقول(ع):ما من أحد يحضُرُه الموت إلا وَكّل به إبليس من شياطينه من يأمره بالكفر ويشككه في دينه حتى يَخرج نفسُه فإذا حضرتم موتاكم فلقنوهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حتى يموتوا:

وَسْوَسَةُ الشَّيْطَان لِلْمُحْتَضَر

إن من جملة ما ذُكر حول وسوسات الشيطان للإنسان في لحظاته الأخيرة هو أن المحتضَر يشعر بالعطش فيأتيه الشيطان بكوب من ماء بارد ويقول له أكفر حتى أسقيك أو تبرأ من النبي وأهل بيته حتى أرويك بهذا الماء البارد، أو أنه يخيّل له بأنه قادر على إرجاعه إلى الدنيا وإلى أهله بشرط أن يرتد عن دينه، وهنا يجب على الإنسان أن يكون قوياً أمام الشيطان، وخصوصاً في تلك اللحظات الحاسمة، والطريقة التي تَكْسَب بها القوة وتتغلب بها على الشيطان في تلك الشدة هي أن تكون في دار الدنيا أقوى منه، فإنك إن كنت في حياتك مطيعاً لمولاك ومخالفاً لهواك فلن يستطيع الشيطان أن يوقع بك في تلك المرحلة لأنك أعييته في دار الدنيا.
ولكن الله تعالى يحفظ عباده المؤمنين من سطوات الشياطين، فقد ورد عن الإمام الصادق(ع) أنه قال:إن الشيطان ليأتي الرجل من أوليائنا عند موته عن يمينه وعن شماله ليضله عما هو عليه فيأبى الله عز وجل ذلك وذلك قول الله تعالى(يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة)
ولنستمع معاً إلى الخطابات القرآنية والتحذيرات الربانية من سطوات إبليس وأعوانه، قال تعالى في سورة البقرة(وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)
وفي سورة المائدة(إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ)
وفي سورة النحل(فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ)
وفي سورة النور(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
وفي سورة المؤمنون(وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ)
وفي سورة فاطر( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)
إذاً يجب علينا أن نحذر من هذا العدو في جميع مراحل حياتنا قبل الإحتضار وعنده لنكون من الرابحين.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى